تجنيد اليهود “الحريديم”.. ماذا يعني وما هي تداعياته على الداخل الإسرائيلي؟

من المرجح أن يتسبب قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن تجنيد طلاب المعاهد اليهودية المتزمتين دينيا، المعروفين باسم “الحريديم” في الجيش، في إدخال البلاد في صراعات قانونية وسياسية جديدة تطال تداعياتها الحكومة الائتلافية الحاكمة التي يتزعمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي تعتمد على حزبين دينيين للعمل كأغلبية، وفقا لمراقبين.

وقضت المحكمة العليا الإسرائيلية بالإجماع، الثلاثاء، بأنه “يجب” على الدولة تجنيد طلبة المدارس اليهودية في الجيش، ووقف ميزانيات المدارس الدينية التي يتهرب طلابها من الخدمة العسكرية.

ووجد قرار المحكمة أنه لا يوجد أساس قانوني لإعفاء الرجال “الحريديم” من التجنيد العسكري، ونص صراحة على أن الحكومة يجب أن “تعمل على تطبيق قانون الخدمة العسكرية على طلاب المعاهد الدينية”، مما يجبر الوكالات الحكومية على اتخاذ خطوات فعالة لتجنيد هؤلاء الرجال في الجيش الإسرائيلي.

ماذا تعني تلك الخطوة؟

وتعتبر الخدمة العسكرية إلزامية للذكور في إسرائيل في حين يعفى منها المتدينون بهدف التفرغ للدراسة في المعاهد الدينية والحفاظ على هوية الشعب. 

تمكن الرجال “الحريديم” في سن الخدمة العسكرية من تجنب التجنيد في الجيش الإسرائيلي لعقود من الزمن من خلال التسجيل في المعاهد الدينية والحصول على تأجيلات متكررة للخدمة لمدة عام واحد حتى وصولهم إلى سن الإعفاء من الخدمة العسكرية البالغ 40 عاما.

ويعود إعفاء “الحريديم” إلى الأيام الأولى بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 1948 حينما أعفى ديفيد بن غوريون أول رئيس للوزراء نحو 400 طالب من الخدمة العسكرية ليتسنى لهم تكريس أنفسهم للدراسة الدينية.

وكان بن غوريون يأمل من خلال ذلك في حماية المعرفة والتقاليد اليهودية بعد أن كادت تُمحى خلال المحرقة النازية (الهولوكوست).

وترتكز معارضة الحريديم للانضمام إلى الجيش على إحساسهم القوي بالهوية الدينية، وهو شعور تخشى كثير من الأسر أن يضعف بفعل الخدمة في الجيش.

ويؤدي بعض رجال “الحريديم” الخدمة العسكرية، لكن معظمهم لا يؤدونها، وهو شيء يشعر كثير من العلمانيين الإسرائيليين بأنه يفاقم الانقسامات الاجتماعية.

تداعيات سياسية

لم تحدد المحكمة التفاصيل المتعلقة بتنفيذ القرار، مما يعني ضمنا أن الحكومة لديها بعض الحرية في تحديد عدد الرجال “الحريديم” الذين تحتاج إلى تجنيدهم على أساس فوري، وكذلك يعني أن الكنيست سيتمكن من التأثير على كيفية تنفيذ قرار التجنيد، وفقا لموقع “تايمز أوف إسرائيل”.

ولطالما اعتبر مشرعو الأحزاب الحريدية التجنيد القسري لطلاب المعاهد الدينية خطا أحمر يهدد تحالفهم الهش مع نتنياهو، الذي يعتمد على دعمهم للحفاظ على أغلبيته الضئيلة في الكنيست.

بالنسبة لنتنياهو، فالمخاطر كبيرة. فمع أن الرأي العام يبدو مؤيدا لإلغاء الإعفاء، تضم حكومته حزبين دينيين يمكن أن يؤدي انسحابهما من الائتلاف إلى إجراء انتخابات جديدة تشير استطلاعات الرأي إلى أن نتنياهو سيخسرها.

وفي السابق، تعهد الحزبان المتزمتان دينيا، وهما حزب يهودية التوراة المتحدة وحزب شاس، بالتصدي لأي محاولات لإلغاء الإعفاء.

وأظهر البعض داخل حزب ليكود الذي يتزعمه نتنياهو عدم الارتياح أو المعارضة للإعفاء، منهم وزير الدفاع يوآف غالانت، وهو جنرال سابق وعضو بارز في حزب ليكود.

وتحاول حكومة نتانياهو بالفعل صياغة قانون يتوافق مع قرار المحكمة العليا دون إثارة غضب شركائه في الائتلاف.

ولا يزال مشروع القانون قيد المناقشة في الكنيست، ومن الممكن أن يقضي بتجنيد تدريجي لعدد متزايد من الحريديم في الجيش.

ويمكن للحكومة أن تروج لهذا القانون حال موافقة الكنيست عليه كدليل على أنها تنفذ حكم المحكمة مع توفير تعديلات قانونية من شأنها تخفيف التأثير على طلاب المعاهد الدينية من الحريديم.

ولكن إذا تعثر مشروع القانون ولم يبق سوى الحكم القضائي فقد يضع ضغوطا إضافية على ائتلاف نتنياهو، ما قد يدفع إسرائيل نحو إجراء انتخابات جديدة.

يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس مئير مصري في حديث لموقع “الحرة” “هناك سبل متعددة يعرفها كل إسرائيلي للتهرب من الخدمة العسكرية، فمن الممكن مثلا التحايل على القرار من خلال تأجيل تطبيقه”.

ولا يعول مصري “كثيرا” على قرار المحكمة ويعتبره رمزيا في المقام الأول. ويضيف أن “الخلاف حول قضية تجنيد الحريديم يطفو على السطح قبل كل معركة انتخابية في إسرائيل”.

ويرى مصري أن من “المهم هو أن تثمر هذه الضغوط في التأثير على الرأي العام، ولا سيما في أوساط المتزمتين، حتى يدركوا أهمية المساهمة في الدفاع عن الوطن وتقديم التضحيات مثلهم مثل بقية المواطنين”.

ويشير إلى أن “دراسة علوم الدين والمواظبة على أداء الشعائر الدينية لا تتعارض مع الخدمة في الجيش”، لافتا إلى أن “المساواة في الحقوق والواجبات تُعد أحد أركان مبدأ المواطنة”.

ويشكل اليهود المتدينين نحو 13 في المئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين نسمة وفقا لجهاز الإحصاء. 

وأطاحت قضية تجنيد اليهود المتدينين بحكومة ائتلافية سابقة قادها نتانياهو في العام 2018 وهي خطوة عززت حالة من الجمود السياسي. 

ويعتقد رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوحنان بليسنر، وهو مركز أبحاث مقره القدس، أن قرار المحكمة خلق “جرحا سياسيا غائرا في قلب الائتلاف الحاكم ويجب على نتنياهو معالجته بشكل عاجل الآن”، وفقا لما نقلت عنه صحيفة “نيويورك تايمز“.
 

ظهرت في الأصل على www.alhurra.com

Leave a Comment